الشيخ محمد رشيد رضا

572

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

زعموا أن دار النعيم في الآخرة خالية من اللذات الجسدية وليس فيها إلا النعيم الروحاني خلافا لبعض تصريحات الإنجيل من شرب الخمر في الملكوت وكون الصائمين والجياع والعطاش من أجل البر يشبعون هنالك ولما كان الغلو في الدين كغيره من أمور البشر يقوى الاستعداد له في بعض الناس من كل أمة بدأ بعض الصحابة المبالغين في العبادة بترك أكل اللحم وهمّ بعضهم بالاختصاء فنهاهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك وعن المبالغة في العبادة ونزل في شأنهم ( لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا ) الآيات من سورة المائدة وهي بمعنى ما هنا . ولم يمنع ذلك كله بعض مسلمي المتصوفة من الغلو في ترك الزينة والطيبات . وصار الجاهلون بكنه الاسلام يعدون الغلو في ذلك هو الكمال في الدين ، وأهله من أولياء اللّه المقربين ، وإن كانوا جاهلين خرافيين . ويراجع ما في تفسيرنا للآيتين من الاحكام والحكم والفوائد ومنها ما لم يكن يخطر في بال أحد من مفسرينا المتقدمين رحمهم اللّه تعالى ( ص 369 - 394 ج 8 ) ( الأصل السابع ) هداية الناس بالحق والعدل به وقد وصف اللّه تعالى بذلك ، خيار قوم موسى عليه السّلام في الآية 159 وخيار أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في الآية 181 فهذا من أصول دين اللّه العامة في جميع شرائعه . والحق هو الامر الثابت المتحقق في الشرع إن كان شرعيا وفي الواقع ونفس الامر إن كان أمرا وجوديا ، والعدل ما تحري به الحق من غير ميل إلى طرف من الطرفين أو الأطراف المتنازعة فيه أو المتعلقة به ويدخل في هذا الأصل الدعوة إلى الحق والخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة العامة والخاصة والاصلاح بين الناس ومنه الامر بالعدل المطلق في الاحكام والاعمال بقوله [ 18 قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ] وهذا هو الأصل العام لجميع الاحكام بين الناس كما قال تعالى في سورة النساء المدنية إذ صار للأمة حكم ودولة [ وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ] وفي سورة النساء والمائدة آيات أخرى في وجوب عموم العدل والمساواة فيه بين المؤمن والكافر والبر والفاجر والغني والفقير والقريب والبعيد ، وقد تقدمت مع تفسيرها . فمن تحرى العدل بغير محاباة وعرف مكانه فحكم به كان حاكما بحكم اللّه تعالى من غير حاجة إلى